الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية لـ"صوت الأمة": الإسلام كرم المرأة وجعلها شريكًا في البناء المجتمعي.. "حوار"
الأحد، 01 مارس 2026 01:30 م
الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لـمجمع البحوث الإسلامية
حوار: منال القاضي
الدكتور محمد الجندى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية لـ"صوت الأمة":
الالحاد تحدى فكرى يحتاج الحوار لا الإقصاء.. المواجهة الأمنية للتطرف وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها علاج فكري عميق
هدفنا إعادة بناء الوعي الديني على أسس علمية راسخة تجمع بين التأصيل الشرعي والانفتاح الواعي على معطيات العصر
سرعة التحولات الرقمية وتعدد مصادر التأثير على الشباب وانتشار المعلومات غير الدقيقة أخطر تحدى يواجهنا
في لحظة تتسارع فيها التحولات الفكرية والاجتماعية بوتيرة غير مسبوقة، وتتداخل فيها التأثيرات الرقمية مع تشكيل وعي الأجيال الجديدة، يبرز سؤال جوهري حول دور المؤسسات الدينية في حفظ التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع.
وفي قلب هذا المشهد، يتحرك مجمع البحوث الإسلامية بوصفه أحد الأذرع العلمية الرئيسة للأزهر الشريف، حاملاً مسؤولية إعادة بناء الوعي الديني على أسس علمية راسخة، ومواجهة تحديات التطرف والإلحاد والتفكك الأسري بخطاب يجمع بين التأصيل والانفتاح الواعي.
وفي هذا السياق، أجرت «صوت الأمة» حواراً مع الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لـمجمع البحوث الإسلامية، الذي طرح رؤية متكاملة لمستقبل العمل الدعوي والفكري، تنطلق من إدراك عميق لطبيعة المرحلة وتعقيداتها، فإلي نص الحوار:
ظهر في الأونة الأخيرة عديد من القضايا التي تخص المراة والأسرة، فما دور مجمع البحوث الإسلامية في معالجة قضايا الأسرة مثل التفكك الأسري والعنف المجتمعي؟
الأسرة تمثل حجر الزاوية في استقرار المجتمع، وأي خلل فيها ينعكس على البناء الاجتماعي كله، ومن هنا يولي المجمع اهتمامًا خاصًا بقضايا الأسرة، من خلال برامج توعوية تتناول مفاهيم المودة والرحمة، وأسس الاختيار الصحيح، وآداب الخلاف وإدارته، وحقوق كل طرف وواجباته.
كما يتم تنظيم لقاءات مباشرة وندوات تثقيفية في مختلف المحافظات، تتناول قضايا مثل العنف الأسري، وتأثير وسائل التواصل على العلاقات الزوجية، وأهمية التربية المتوازنة للأبناء، ولذا نحرص في المعالجة على الجمع بين الرؤية الشرعية والبعد النفسي والاجتماعي، لأن المشكلات الأسرية غالبًا ما تكون مركبة ومتداخلة.
وهل لدى المجمع خطة أو آلية عمل لدعم المرأة وتمكينها دينيًا وفكريًا؟
المجمع ينطلق في دعمه للمرأة من الرؤية الإسلامية التي قررت تكريمها إنسانًا كامل الأهلية، شريكًا في البناء المجتمعي. ويتم ذلك عبر مسارات متعددة، من أبرزها تأهيل الواعظات علميًا ومهاريًا ليقمن بدور فاعل في التوعية داخل المجتمعات النسائية.
كما نعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة المتعلقة بمكانة المرأة في الإسلام، والرد على الخطابات التي تحاول تصوير الشريعة باعتبارها مقيدة لدورها. ونؤكد في خطابنا على التوازن بين الحقوق والواجبات، وعلى دور المرأة في التربية وبناء الوعي، إلى جانب مشاركتها في مجالات العلم والعمل بما يتوافق مع القيم الشرعية.
إنطلاقاً من القضايا الأسرية، كيف يواكب المجمع التحديات الفكرية المعاصرة التي تواجه المجتمع؟
المواكبة لدينا تقوم على منهج علمي يبدأ بالرصد والتحليل، ثم الفهم العميق للسياق، ثم تقديم المعالجة المنهجية. فالتحديات الفكرية اليوم لم تعد محصورة في إطار ضيق، بل تشمل قضايا الهوية، والإلحاد، والتشكيك في الثوابت، وسوء فهم النصوص، إضافة إلى موجات التغريب أو الانغلاق المتطرف.
لذلك يعمل المجمع من خلال لجان علمية متخصصة تضم علماء في العقيدة والفقه وأصوله، إلى جانب خبراء في مجالات الاجتماع والنفس والإعلام، لضمان قراءة شاملة للظاهرة. ولا نكتفي بالردود النظرية، بل نقدم برامج توعوية ولقاءات مباشرة مع مختلف الفئات، إيمانًا بأن المواجهة الفكرية لا تنجح إلا إذا كانت حاضرة في الميدان كما هي حاضرة في الكتب.
وما هي الآليات التي يعتمدها المجمع في مواجهة التطرف والتشدد والانحرافات الفكرية؟
نعتمد على استراتيجية شاملة ذات أبعاد ثلاثة: البعد الوقائي من خلال نشر الفكر الوسطي وتعزيز الثقافة الدينية الصحيحة، البعد العلاجي عبر تفكيك الخطاب المتطرف والرد على شبهاته بالحجة العلمية الرصينة، البعد الميداني من خلال القوافل الدعوية واللقاءات المباشرة في الجامعات ومراكز الشباب.
كما نركز على معالجة الجذور الفكرية والنفسية للتطرف، لأن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها علاج فكري عميق.
وكيف تحمون الشباب من الأفكار الهدامة أو الإلحادية؟
نحن نتعامل مع هذه الظواهر باعتبارها تحديات فكرية تستدعي الحوار لا الإقصاء، لذلك نحرص على فتح قنوات تواصل مباشرة مع الشباب، والاستماع إلى تساؤلاتهم بجدية. كما نقدم برامج توعوية تبني اليقين المعرفي القائم على البرهان العقلي والنقلي، وتربط الإيمان بالتفكير السليم.
وكيف يمكن تعزيز الثقة بين المؤسسات الدينية والشباب؟
تعزيز الثقة يتطلب مصارحة وشفافية، وتقديم نموذج عملي يعكس القيم التي ندعو إليها، كما يتطلب إشراك الشباب في المبادرات والأنشطة، وعدم الاكتفاء بتوجيه الخطاب إليهم من أعلى وهو ما نعمل عليه من خلال الأنشطة والفعاليات المتنوعة التي يقدمها وعاظ الأزهر وواعظاته في مختلف محافظات الجمهورية فضلا عن الأنشطة الرقمية المتعددة.
هناك مفاهيم دينية مغلوطة منتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كيف تتعاملون معها؟
في مجمع البحوث الإسلامية ننظر إلى وسائل التواصل باعتبارها ساحة رئيسة لتشكيل الوعي، ولذلك قمنا بتطوير وحدات للرصد والتحليل الرقمي، لرصد المفاهيم المغلوطة والشبهات المتداولة. ويتم إعداد مواد علمية مبسطة، في شكل مقاطع قصيرة أو مقالات أو تصميمات توضيحية، تشرح المفهوم الصحيح بلغة واضحة وجاذبة.
كما نؤكد على أهمية سرعة التفاعل، لأن التأخر في الرد يتيح للمعلومة الخاطئة أن تنتشر وتترسخ.
وفيما يتعلق بظاهرة الفتاوى غير المنضبطة عبر الإنترنت؟
ظاهرة الفتاوى غير المنضبطة تمثل أحد أخطر التحديات المعاصرة، لأنها تمس مباشرة حياة الناس واستقرارهم الأسري والاجتماعي. والمجمع يتعامل مع هذه الظاهرة عبر مسارين متوازيين: مسار توعوي ومسار مؤسسي.
في المسار التوعوي، نؤكد دائمًا أن الفتوى ليست رأيًا شخصيًا، بل صناعة علمية دقيقة تتطلب تأهيلًا عميقًا في علوم الشريعة، ومعرفة بأصول الفقه وقواعد الترجيح، إضافة إلى إدراك دقيق بواقع المستفتي وسياقه. ويتم توعية الجمهور بخطورة تلقي الفتاوى من مصادر مجهولة أو غير متخصصة.
أما المسار المؤسسي، فيتمثل في تعزيز حضور المنصات الرسمية المعتمدة، وتسهيل وصول الناس إلى القنوات الموثوقة، مع التأكيد على أهمية الاجتهاد الجماعي في القضايا الكبرى، تجنبًا للتسرع أو التفرد غير المنضبط.
ما خطتكم لتطوير الخطاب الديني ليكون أكثر ارتباطًا بواقع الناس؟
نحن نؤمن بأن الخطاب الديني لا يمكن أن يكون مؤثرًا ما لم يكن واعيًا بسياق الناس واحتياجاتهم. لذلك نسعى إلى تطوير هذا الخطاب عبر مسارين متكاملين: الأول هو تعميق التأصيل العلمي للدعاة حتى يكونوا قادرين على فهم النصوص في ضوء مقاصدها الكلية، والثاني هو تدريبهم على فهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي يعيشه الناس.
كما نعمل على الانتقال من الخطاب الوعظي المجرد إلى خطاب يربط القيم الدينية بقضايا الحياة اليومية؛ مثل العمل والإنتاج، والالتزام الأخلاقي، والتماسك الأسري، والمواطنة الصالحة. فالخطاب الديني ينبغي أن يكون عنصر بناء واستقرار، لا مجرد كلمات عابرة.
وكيف يتعامل المجمع مع القضايا المستجدة التي لم تكن مطروحة من قبل؟
القضايا المستجدة تُدرس وفق منهج الاجتهاد الجماعي المنضبط، وهنا يبدأ الأمر بجمع المعلومات الدقيقة من مصادرها العلمية، ثم عرضها على لجان متخصصة تضم فقهاء وأصوليين، مع الاستعانة بخبراء في المجال المعني – طبيًّا كان أو اقتصاديًّا أو تقنيًّا – لضمان أن يكون التصور كاملًا قبل إصدار الحكم.
ونحن نحرص في هذا السياق على مراعاة مقاصد الشريعة، وموازنة المصالح والمفاسد، وعدم التسرع في إصدار أحكام دون استيفاء البحث العلمي. هذه المنهجية تمثل امتدادًا للمدرسة الأزهرية التي عُرفت بالتحقيق والتدقيق.
وما أبرز أولويات مجمع البحوث الإسلامية في المرحلة الحالية؟
تتمحور الأولويات حول إعادة بناء الوعي الديني على أسس علمية راسخة تجمع بين التأصيل الشرعي والانفتاح الواعي على معطيات العصر، فنحن نتحرك في سياق عالمي شديد التعقيد؛ حيث تتسارع التحولات الفكرية والثقافية، وتتعدد مصادر المعرفة، ويختلط الصحيح بالمغلوط. ومن ثمّ فإن أولويتنا الأولى هي ترسيخ المرجعية العلمية الوسطية للأزهر الشريف، باعتبارها مرجعية تقوم على فهم منضبط للنصوص الشرعية، وتراعي مقاصد الشريعة وكلياتها.
كما نضع ضمن أولوياتنا تطوير البنية المؤسسية للعمل الدعوي، بحيث تصبح أكثر تكاملًا وتنسيقًا بين القطاعات المختلفة، مع تعزيز كفاءة الكوادر البشرية علميًّا ومهاريًّا.
ويأتي في صدارة اهتماماتنا كذلك تحصين الشباب والنشء من الانحرافات الفكرية، وبناء وعي نقدي يمكنهم من التعامل مع ما يطرح في الفضاء الرقمي من أفكار متباينة.
وكيف تقيسون أثر جهود المجمع في المجتمع؟
قياس الأثر يمثل عنصرًا أساسيًا في التخطيط المؤسسي، ويتم ذلك عبر متابعة مؤشرات التفاعل مع الأنشطة الدعوية والرقمية، وتحليل البيانات المرتبطة بانتشار المحتوى، إضافة إلى استطلاعات الرأي والدراسات الميدانية التي تقيس مستوى الوعي بالقضايا المطروحة. كما يتم إجراء تقييمات داخلية دورية لبرامج التدريب والقوافل، لقياس مدى تحقق الأهداف المعلنة، ورصد نقاط القوة وفرص التحسين، بما يضمن التطوير المستمر.
وما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب في ظل التغيرات المتسارعة؟
رسالتي إلى الشباب أن يدركوا أن قوة الإنسان في وعيه وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، فالمرحلة الراهنة مليئة بالتحديات، لكنها أيضًا مليئة بالفرص، ولذا أدعوهم للتمسك بالعلم الصحيح، والحرص على بناء ذواتهم أخلاقيًا وفكريًا، وألا يجعلوا وسائل التواصل مصدرًا وحيدًا للمعرفة، وأن يجمعوا بين الأصالة والمعاصرة، وبين الإيمان والعمل، وأن يكونوا شركاء في صناعة مستقبل وطنهم وأمتهم، فهم الرصيد الحقيقي لأي نهضة حضارية.
اذا انتقلنا إلى موضوع اخر، وهو تأهيل وتدريب الدعاة والوعاظ، فما هي البرامج التي تعتمدون عليها في ذلك؟البرامج تشمل دورات علمية متخصصة، وتدريبًا على مهارات التواصل، وإدارة الحوار، واستخدام الوسائط الرقمية، كما يتم التركيز على تنمية مهارات التفكير النقدي، وفهم التحولات الثقافية المعاصرة.
وما استراتيجية المجمع في التواجد الفعال على المنصات الرقمية؟
استراتيجية المجمع في المجال الرقمي تنطلق من إدراك أن الفضاء الإلكتروني لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح بيئة كاملة لتشكيل الوعي وبناء الاتجاهات وصناعة القناعات، ومن ثم فإن وجود المؤسسة الدينية في هذا الفضاء لم يعد خيارًا، بل ضرورة منهجية.
وهنا نعتمد في هذا السياق على خطة متعددة المستويات: المستوى الأول، بناء فرق متخصصة تجمع بين الخلفية الشرعية العميقة والخبرة الإعلامية والرقمية، بحيث لا يُنتج المحتوى بمنطق تقليدي، بل وفق فهم لطبيعة كل منصة وجمهورها، المستوى الثاني، تنويع أشكال المحتوى بين المقالات التحليلية، والمقاطع المصورة القصيرة، والبث المباشر التفاعلي، والرسوم التوضيحية، والملفات التوعوية المتكاملة، بما يحقق الانتشار والتأثير مع الحفاظ على العمق العلمي.
أما المستوى الثالث، فهو سرعة التفاعل مع القضايا المثارة في الرأي العام، لأن الزمن في البيئة الرقمية عنصر حاسم، وتأخر الخطاب الرصين يفسح المجال أمام الخطابات المتطرفة أو السطحية، في حين أن المستوى الرابع يتمثل في قياس الأداء بصورة دورية من خلال مؤشرات التفاعل، وتحليل اتجاهات الجمهور، وتطوير الرسائل وفق نتائج التحليل دون التفريط في الثوابت.
وما أوجه التعاون بين المجمع والمؤسسات الدينية داخل مصر وخارجها؟
يتبنى المجمع رؤية تشاركية تقوم على أن خدمة الدين والمجتمع مسؤولية جماعية، ولذلك يتعاون مع المؤسسات الدينية والعلمية داخل مصر في تنظيم المؤتمرات، والبرامج التدريبية، والمبادرات المجتمعية المشتركة.
أما على المستوى الدولي، فيتم التعاون عبر تبادل الخبرات، والمشاركة في المؤتمرات الفكرية، وإرسال القوافل الدعوية، والمساهمة في برامج تدريب الأئمة والدعاة في بعض الدول. هذا التعاون يسهم في تعزيز حضور المنهج الوسطي، وتبادل التجارب الناجحة في مواجهة التحديات المشتركة.
وكيف يسهم المجمع في تصحيح صورة الإسلام عالميًا؟
تصحيح صورة الإسلام عالميًا لا يتم بالشعارات، بل عبر خطاب علمي رصين وسلوك عملي يعكس القيم الحقيقية لهذا الدين، وهنا يحرص المجمع على المشاركة في المحافل الدولية، وتقديم أوراق علمية تُبرز أبعاد العدالة والرحمة والتعايش في الشريعة الإسلامية.
كما يتم العمل على ترجمة بعض الإصدارات إلى لغات مختلفة، والمشاركة في حوارات بين الأديان والثقافات، لإزالة الصور النمطية التي ارتبطت بأفعال جماعات متطرفة لا تمثل الإسلام. والرسالة الأساسية التي نؤكدها دائمًا أن الإسلام دين بناء حضاري، واحترام للإنسان، وتعايش سلمي.
ما التحديات التي تواجهكم في أداء مهامكم، وكيف تعملون على تجاوزها؟
نحاول مواجهة تحدي مهم وهو سرعة التحولات الرقمية، وتعدد مصادر التأثير على الشباب، وانتشار المعلومات غير الدقيقة بصورة تفوق أحيانًا قدرة المؤسسات على المتابعة اللحظية، كما أن التغيرات الثقافية المتسارعة تفرض ضرورة تطوير أدوات الخطاب باستمرار. وللتغلب على هذه التحديات، نعمل على الاستثمار في تدريب الكوادر، وتحديث البنية التقنية، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية والإعلامية، إضافة إلى تبني منهج التقييم المستمر للأداء، حتى تظل المؤسسة قادرة على التفاعل بمرونة مع المستجدات.